عبد الملك الجويني
69
نهاية المطلب في دراية المذهب
ففي المسألة طريقان : من أصحابنا من قال بإجبار ذي الحق . فيقال له : إما أن تقبل ، وإما أن تبرىء ذمته من الدين . ومن أصحابنا من ذكر في ذلك قولين أيضاً ؛ فإن مستحق الدين يقول : الحق لي ، وإليّ طلبه ، فليس لمن عليه الحق أن يحتكم عليَّ في طلب الحق . ومما يجب التَنبُّهُ له أنا في الدين المؤجل فصلنا بين المعذور وبين ما لا عذر له ، وإذا حل الدين ، فنقول : أما جانب مستحق الحق ، فلا يختلف بأن يكون معذوراً ، ووجه بيّن . وأما المعطي ، فإن كان معذوراً ، أُجبر صاحبه على القبولِ قولاً واحداً . ولم يجر القولان ؛ من قِبَل أن العذر يوجب قبول ما يَنْقُدُه من الدين المؤجل ، فما الظن بالدين الحالّ ؟ ثم إذا وجد العذر في الجانبين ، والدّين حال ، فصاحب الحق مجبر على القبول قولاً واحداً ؛ فإنا قد أوضحنا أن عذر مستحق الدين لا اعتبار به إذا كان الدين حالاً . ثم حيث يجبر على القبول ، فإن لم يقبل ، قبض القاضي عنه ، أو أناب من يقبض . وإذا جرى ذلك ، فقد برئت ذمة المديون ، وكان المال أمانةً لمستحق الحق في يد الحاكم ، أو في يد من أنابه . 3513 - وممّا يتصل بهذا أن من عليه الحق إذا ظفر بمستحق الحق في غير المكان المتعيّن شرعاً أو شرطاً ، وأراد إجبار مستحق الحق على القبول ، فالتفاوت في المكان كالتفاوت في الزمان : فإن كان على الناقل مؤونة ، لم يجبر مستحق الحق على قبوله ، وهو يناظر في الزمان ما إذا ظهر غرض بيّن في الامتناع قبل الحلول . وإن لم يكن في نقل المستحق مؤونة ، فهل يجبر مستحِق الحق على قبوله في غير المكان المستحق ؛ فعلى القولين المقدمين فيه ، إذا جاء بالحق قبل حلول الأجل ؛ فالتفاوت المكاني في الحكم الذي أردناه كالتفاوت الزماني . فرع : 3514 - تردد الأئمة في السلم في الثوب الذي يصبغ بعد نسجه ، فيما ذكره العراقيون : فأجازه بعضهم ، وهو ما قطع به الإمام . ولا خلاف في جواز السلم في الثوب الذي ينسج بعد الصبغ .